تستعرض الكاتبة فيفيان نيريم مشهدًا متسارعًا في الخليج، حيث دفعت الهجمات الإيرانية المكثفة دول المنطقة إلى إعادة التفكير في اعتمادها الطويل على الحماية الأمريكية. وتوضح أن أيامًا قليلة من التصعيد العسكري كشفت هشاشة هذا الاعتماد، رغم وجود قواعد أمريكية كبرى في المنطقة، إذ استهدفت إيران دول الخليج بوابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما فرض واقعًا أمنيًا جديدًا.
في هذا السياق، يوضح تقرير النيويورك تايمز أن دول الخليج لم تنتظر طويلًا، بل سارعت إلى البحث عن بدائل دفاعية، حيث تواصلت السعودية مع أوكرانيا للاستفادة من خبرتها في مواجهة الطائرات المسيّرة، بينما حصلت الإمارات على دعم من فرنسا وأستراليا، وطلبت عدة دول خليجية أنظمة دفاع جوي من إيطاليا، في إشارة واضحة إلى تراجع الثقة في كفاية الدعم الأمريكي وحده.
شكوك متصاعدة في المظلة الأمريكية
تعكس التطورات الأخيرة حالة قلق متزايدة داخل العواصم الخليجية، حيث بدأت أصوات رسمية وغير رسمية تشكك في جدوى الضمانات الأمنية الأمريكية. ورغم أن واشنطن تؤكد أن عملياتها العسكرية تهدف إلى حماية حلفائها وتقليص قدرات إيران الهجومية، فإن الواقع الميداني يرسم صورة أكثر تعقيدًا.
تخشى دول الخليج من تداعيات أوسع للحرب، خاصة أن الرد الإيراني استهدف منشآت مدنية وبنية تحتية حيوية، بما في ذلك مطارات ومنشآت طاقة. كما يخشى قادة المنطقة من سيناريو انهيار الدولة الإيرانية، الذي قد يخلق فوضى إقليمية خطيرة بدلًا من تحقيق الاستقرار.
في الوقت نفسه، يشير محللون إلى أن فكرة “الضمان المطلق” للأمن لم تعد قائمة، حيث لم تمنع التحالفات العسكرية وقوع الهجمات، ما يدفع نحو إعادة تقييم شاملة للاستراتيجيات الدفاعية.
كلفة اقتصادية تضرب قلب الخليج
تترك الحرب آثارًا اقتصادية عميقة على دول الخليج، التي تعتمد بشكل كبير على الاستقرار لجذب الاستثمارات والسياحة. أدت الهجمات إلى تعطيل حركة الطيران في قطر والإمارات، كما فرّ السياح عبر الحدود البرية، ما أصاب قطاع السياحة بضرر كبير.
تضررت كذلك الصناعات النفطية، التي تشكل العمود الفقري لاقتصادات المنطقة، بعد استهداف المصافي وحقول النفط. وأوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال بشكل غير محدد عقب تضرر منشآتها، ما يعكس حجم الخسائر.
يزداد الوضع تعقيدًا مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا لنقل النفط والغاز. وفي مفارقة لافتة، تواصل إيران استخدام المضيق لتصدير نفطها، بينما تواجه دول الخليج صعوبات في استخدامه بأمان، ما يعمّق الإحساس بعدم التوازن.
بحث عن بدائل وبناء قوة ذاتية
تدفع هذه التحديات دول الخليج إلى تنويع مصادر الدعم العسكري وتعزيز قدراتها الذاتية. يبرز توجه نحو التعاون مع شركاء جدد، بدل الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، في محاولة لبناء منظومة دفاع أكثر مرونة واستقلالية.
في الوقت ذاته، تظهر انقسامات داخل المنطقة نفسها، حيث تختلف مواقف الدول الخليجية من الحرب ومن العلاقة مع واشنطن، فبينما تتمسك بعض الدول بالشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، تبدي أخرى استعدادًا لإعادة النظر في هذه العلاقة.
كما تتصاعد انتقادات داخلية، ليس فقط من المعارضين، بل أيضًا من رجال أعمال وشخصيات قريبة من السلطة، حيث يطرح البعض تساؤلات مباشرة حول كلفة هذه التحالفات، ومدى جدواها في حماية المدنيين والمصالح الاقتصادية.
في النهاية، يكشف المشهد عن تحول عميق في التفكير الاستراتيجي لدول الخليج، حيث لم تعد الضمانات التقليدية كافية في عالم مضطرب. وبين صواريخ تتساقط وأسواق تهتز، تبحث هذه الدول عن معادلة جديدة تحقق الأمن دون أن تجعلها رهينة لقرارات قوى كبرى.
https://www.nytimes.com/2026/03/17/world/middleeast/iran-war-gulf-saudi-arabia-qatar-emirates.html

